حيدر حب الله
539
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
رصدها وتحليلها يظلّ ضرورة قاهرة في هذا المجال . ولا يظهر من السابقين أن بحثوا في أصل هذا الموضوع ، لكن المحقّق الكلباسي ( 1315 ه - ) أفرد رسالةً خاصّة تحت عنوان ( رسالة في لزوم نقد المشيخة ) ، ضمّنها كتابه المعروف بالرسائل الرجاليّة « 1 » ، وهي تشير إلى مبدأ درس هذه الطرق بشكل جادّ ، والتعامل معها على أنّها وثائق ضروريّة للتثبّت من الكتب والأصول . والسبب الذي يدفع إلى طرح فكرة جدّية البحث في الطرق والمشيخات هو وجود اتجاه ذهب إليه بعض العلماء ، ويلوح من آخرين ، يرى أنّ الطرق إلى الكتب والأصول والمصنّفات لا قيمة لها ، بمعنى لا محصّل من ورائها ؛ لأنّ الأصول والمصنّفات التي اعتمد عليها أصحاب الكتب الأربعة وأمثالهم كانت متواترة معلومة النسبة لأصحابها ، ومن ثمّ فهذه الطرق قد لا تكون سوى طرقاً تيمّنيّة ، تماماً كطرق الرواية التي تنتشر اليوم في أيدي العلماء ، حيث هي تيمّنية ولا تقوم على مناولات وغير ذلك ، بل هي إجازات عامّة كما هو واضح . وينتج عن ذلك أنّ الناظر في الأسانيد لا يعنيه من هو واقع بعد زمان صاحب الكتاب ، وإنّما يعنيه توثيق صاحب الكتاب ومن بينه وبين النبيّ أو الإمام خاصّة ، وهذا ما سيوفّر الكثير من البحوث الرجاليّة والحديثيّة ، وسيحلّ مشكلة الكثير من الضعف الواقع في الأسانيد . وتشبه هذه الفكرة ما يُطرح في علم الحديث عند أهل السنّة من تركيز النظر على مدار الحديث ومخرجه دون ما بعد المدار زماناً ؛ لتعدّد الطرق ووضوح أمرها في العادة . وقد يُدّعى أنّ طريقة المتقدّمين من الإماميّة كانت قائمة على هذا المسلك أيضاً ؛ إذ تجدهم عندما يناقشون في الأسانيد فهم يركّزون النظر على السند الواقع بين المصدر والإمام ، ولا يعيرون بالًا للطرق الواقعة في المشيخات والفهارس .
--> ( 1 ) الرسائل الرجاليّة 4 : 127 وما بعد .